مزيد من الاخبار


وَهْمُ الدولة (38) الانحدار المتسارع للمجتمع العراقي من صدام الى الراهن

التاريخ : ٠١/٠٩/٢٠١٦
عدد الزيارات : ٣٥٧٣


النخيل-بعد سقوط نظام صدام، ظهرت تركته الكارثية مرة واحدة، فقد انكشف الغطاء عن خراب اجتماعي وثقافي مرعب، صنعه الظلم والقمع والجوع والفقر والحصار، فطوّحت أسسه الحضارية، وأسقطت قطاعات واسعة منه في الأمية والجهل والخرافة والعنف.

كان الانحدار الاجتماعي يتجه نحو التردي بشكل سريع مع بداية الثمانينات، نتيجة ظروف الحرب وتزايد القمع السلطوي.

وعندما حدثت الانتفاضة الشعبانية عام 1991، وصلت مجاميع من المهاجرين المشاركين في الانتفاضة الى إيران، وكانت الصدمة عند العوائل التي إلتأم شملها، فقد شهدت مشاكل مستعصية بين الأخوة الذين هاجروا بداية الثمانينات واشقائهم الجدد، نظراً للاختلاف الكبير في التوجهات والسلوكيات وفهم الامور. كما ظهر الاختلاف واضحاً بين الأقارب والاصدقاء، وبشكل عام صار المهاجرون وكأنهم ينتمون الى مجتمعين مختلفين بلهجة واحدة.

بعد استشهاد الشهيد الصدر الثاني، حدثت موجة اخرى من الهجرة الى ايران، وقد تكررت نفس الظاهرة في الاختلاف بين القدماء والجدد، والذي لفت النظر أن مهاجري الانتفاضة كانوا يأخذون على المهاجرين الجدد، ما كان يأخذه المهاجرون القدماء على مهاجري الانتقاضة، من حيث الخشونة وسرعة الغضب والاختلاف في فهم الأمور.

وقد شهدت الأوساط العراقية في ايران مشاكل معقدة بين ابناء الهجرات الثلاث من العائلة الواحدة، ومن الاقارب ومن المنطقة الواحدة. وقد وصل الأمر في حالات كثيرة أن بعض الاخوة الكبار سناً كانوا يخافون من اخوتهم الصغار الذين جاءوا حديثاً، بسبب ابتزازهم المالي لهم، حتى اضطر العديد منهم للهرب من بيوتهم خلسة، والهجرة الى دول اخرى، تاركين بيوتهم بما فيها لأخوانهم الصغار، خوفاً على حياتهم فيما لو اكتشف هؤلاء محاولة الكبار في الابتعاد عنهم، وايضاً خوفاً على حياتهم فيما لو بقوا.

وقد وصل الأمر الى وقوع جرائم قتل وسرقة وابتزاز وتزوير وتهديد، وهي ظاهرة لم تكن معروفة بين المهاجرين السابقين، بينما اصبحت مع نهاية التسعينات شائعة، تعج بها المحاكم الايرانية ومخافر الشرطة، وتشهد شوارع مدينة قم حيث يتركز اكثر المهاجرين فيها، معارك وصدامات دامية بالسكاكين والعصي.
...
في فترة الهجرة الأولى اوائل الثمانيات، ظهرت بعض حالات الشعوذة والخرافة في أوساط العراقيين، لكنها كانت محدودة فردية، ولم تستطع ان تفرض نفسها لأن الجو العام كان واعياً مثقفاً، ومن تلك المحاولات الفردية حركة الشيخ عبد الحليم الغزي، الذي أغرى مجموعة من الشباب البسطاء، وأوحى لهم بأنه يلتقي الامام صاحب الزمان، وان لديه علوم العرفان وما لا يدركه العلماء. لكن الوسط العلمي من كبار العلماء وقف بوجهها وتصدى لها، وكشف زيفها، فانفرط اتباعه بعد فترة من الزمن.

وفي موجة الهجرة الثانية عام 1991، كان عدد المشعوذين والخرافيين ملحوظاً، وشكّل ظاهرة ملموسة، مارسها الرجال والنساء، حيث اعتمر الرجال العمائم، وراحوا يدعون الكرامات ورؤية صاحب الزمان وتفسير الأحلام وكشف الغيب، بينما تنقب النسوة واتشحن بالسواد في غرفهن ورحنّ يقمن باعمال الشعوذة مع العاقرات والمطلقات والمريضات وغير ذلك.

كان التوجه نحو الحوزات الدينية قوياً لكن الطارئين سرعان ما ينكشفون، لأن نظام الدراسة في الحوزة الايرانية يعتمد على التشكيلات المؤسساتية، فهناك امتحانات دورية لكل مرحلة دراسية، ويجري توزيع مرتبات الطلبة وفقاً للمستوى الدارسي، ولكل طالب ملفه الخاص يتضمن سيرته العلمية والامتحانات التي تجاوزها والمراحل التي قطعها، فلا مجال للإدعاءات مطلقاً.

وقد دفع هذا النظام الدراسي الدقيق، المعممين المعتاشين الى احتراف الخرافة والخديعة لجني المال، فهو الأسرع والاسهل، بدل الدراسة وحضور الدروس على يد العلماء والدخول في مباحثات صعبة لساعات طويلة من النهار.

وتزايد الحال بشكل كبير مع الموجة الثالثة للمهاجرين عام 1999. لكن هذه الموجة اضيف لها حالات إغتيال واختفاء غامضة لأشخاص عديدين، كما انكشف أمر الكثير من رجال الأمن الصدامي المندسين بين صفوف المهاجرين الجدد.
...
حاولت القوى الاسلامية العراقية استيعاب موجتي الهجرة الاخيرتين من خلال المدارس الدينية ومعاهد الخطابة والتبليغ، لكن ذلك لم يكن كافياً قياساً بالاعداد الكبيرة من المهاجرين. وكان المغفور له الشيخ محمد مهدي الآصفي هو أكثر الشخصيات اهتماماً بالمهاجرين منذ البداية، حيث خصص لهم مؤسسة الامام الباقر لرعاية الفقراء والمحتاجين، وكان يعيش الزهد في حياته، ويولي جل وقته للعوائل والايتام، ومع ذلك فقد تعرض لمحاولة إغتيال جُرح فيها بطعنة سكين من رجل غاضب لأنه أراد مبلغاً من المال أكثر من استحقاقه. وقد تدخل الشيخ رحمه الله في نفس يوم تعرضه للإغتيال لإطلاق سراح المعتدي والعطف عليه.
...
حين عاد المهاجرون من موجات الهجرة الثلاث الى العراق بعد سقوط النظام عام 2003، استغرب الكثير منهم حال المجتمع العراقي الذي التقوا به، بما فيهم الموجة الأخيرة من المهاجرين رغم قصر فترة هجرتهم. لقد بدا الانحدار الاجتماعي متهاوياً أكثر مما تركوه في قطاعات واسعة من المجتمع العراقي.

إن الحصار والجوع والفقر والقهر والقمع الذي مارسه صدام، كان يقود المجتمع العراقي نحو انحدار سريع ومتزايد. وفي اجواء مأساوية كالتي عاشها العراق، يفقد المجتمع قيمه وإلتزامه وأعرافه، ويفتك الجهل به، فيجعله سهل الانقياد والتبعية لأي مقولة يجد فيها لمسة ـ ولو وهمية ـ لتضميد جراحه النفسية.

وفي أجواء كالتي مرت على العراق، كان الجيل الجديد يتربى في أجواء القمع والجوع والخوف من النظام، فيضطر الى البحث عن منفذ للعيش، عن زاوية يبيت فيها بقليل من الأمان، وكان الفرد العراقي ـ في غالبيته العظمى ـ يبحث عن لقمة أكل ليعيش، أما الجوانب الأخرى من التعليم والثقافة والمعرفة، فقد صارت من الكماليات. فنشأ جيل من الشباب تسوده الأمية، وجيل من الطلبة الجامعيين تخرجوا بعد ان ابتز الكثير منهم قسم من الاساتذة بالرشا وبيع الاسئلة الامتحانية ودرجات النجاح الباهضة الثمن. والغريب ان بعض هؤلاء الاساتذة الفاسدين، دخلوا العملية السياسية لاحقاً وتصدروا المشهد في بعض الاحزاب.
...
عندما اعلنت القوات الاميركية اسقاط النظام، ورأى الناس تمثال الدكتاتور ينهار بسلك الدبابة الأميركية، كان الفرد العراقي يعيش لحظة الذهول والفرح والفوضى الكبرى. وكان رجال السياسة يعيشون لحظة القلق الكبرى على مستقبلهم، وكانت الصدفة تصنع فعلها نحو انفلات البعض من حسابات المنطق ليتحولوا الى قادة سياسيين ودينيين.
لها تتممن

سليم الحسني

عدد التعلیقات: 0

جمیع التعلیقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن راي إدارة الموقع

ارسل تعلیقك

: : :

Dynamically generated image